
هذه التدوينة لا تعبر عن رأيى نهائياً . و لكنى وجدت , رغم أختلافى الشديد معها و مع أسكندرانى , وجدت أنه ينبغى على القارىء أن يعرف بعض الأراء المختلفة عن عالم الكتابة و بالأخص لأنها مرتبطة بالتدوينة السابقة .
--
-1-
عزيزي طه عبد المنعم
تحياتي ونورت المدونه, أنا معك أن الكتابة تاريخ طويل, ومحفوظ كان مجرد مثال ليس إلا بأعتباره الأول بين متساويين, لكن ما يرتكبه العايدي وجيله وما أرتكبه من قبله الأكثر شهرة من التسعينيين ليس بكتابة بل تلويث للورق الأبيض, وفعلة العايدي المثيرة للغثيان تحتوي على مثالب لو عددتها لأحتجت صفحات يفوق عددها عدد ما لوثه عمله البائس, بداية من عنوانها المسروق من عنوان فيلم (أهمية أن تكون جون مالكوفيتش), والحقيقه ان عمله ليس مسروقا من رواية نادي القتال بل من الفيلم, قررت مرة في لحظة فراغ أن أخصص وقتا لكتابة نقد عنها, ثم قررت ان الزمن أثمن من إضاعته في التحدث عن تلك التفاهه, أما بخصوص حقبة الرواية الميريتية (نسبة لدار ميريت) فهي تعبير عن وجود طبقة تمتلك فائضا أقتصاديا يمكنها من اقتناء الكتب , لكن مستواها الثقافي والعقلي لا يتجاوز الإعداديه ولذلك هي تحتاج لمثل تلك الكتابات الموجهه لهذا المستوى العقلي والثقافي , في الماضي وجدت تلك الطبقة ايضا وكانت تقرأ روايات عبير أو القصص الصحفية الطابع التافهة المضمون التي كان يكتبها عادل حموده وتلميذه إبراهيم عيسى, لكنها كانت كتابات على هامش الإبداع اما أن تصبح هي المتن ذاته فهو ما لا أجد له توصيفا مهذبا في اللغة .
فى رده على تعليق طه عبد المنعم فى تدوينة
--
-2-
إن سألتنى عن رأيى فى قيمة الرواية الشبانية , أقول لك إن هذا الكم الكبير سيتمخض بالضرورة عن كيف جيد , و لن يطول الأمر مثلما حدث معنا , فعلى أيامنا كان التقدم ببطء نتيجة لبطء التواصل و قلة أمكانياته و صعوبة النشر . فقد كان الواحد منا ينشر كتاباً و يبقى ما يقرب من عشر سنوات الى أن يتلقى رداً جماهيرياً أو ثقافياً يشجعه و يحفزه على الأستمرار فى الكتابة .. الأن الوضع اختلف نتيجة هذا القدر الهائل من التقدم فى أجهزة الأتصال و الفضائيات و الانترنت .. الخ . أصبح النشر سهلاً , و أصبح الكتاب يصدر فى سويعات قليلة , و تتم له الدعاية بشكل سريع , فقد توفرت أساليب النشر و الدعاية و الأعلام و الأعلان امام كتابنا الجدد .. و هذا و إن كان شيئاً جميلاً فأن مخاطره ليست كذلك , لأن السهولة تحرم الكاتب من مرحلة شديدة الأهمية فى بنائه الفنى : مرحلة التكوين , ثم مرحلة البدء فى الأبداع , ثم مرحلة التجويد , هذه المراحل الثلاثة التى عاشها جيلنا و الأجيال السابقة عليه أختصرت , أو ربما الغيت , و أصبح الكاتب " تطق " فى دماغه فكرة رواية فيجلس ليكتبها , سواء كانت لديه خبرة بكتابة الرواية أم لا . قرأ فيها كثيراً ام لا .. الى أخر هذه المقومات التى يجب توافرها .. ثم يدفع بها الى المطبعة و يدفع من جيبه نفقات النشر , و يدفع من جيبه للدعاية لها , و يقيم حولها الندوات , و فى الغالب يكون ما نشر لا يزيد عن خمسمائة نسخة .. كل هذا يجعل الكاتب يتوهم أنه أصبح كاتباً بالفعل , و بعد قليل يبدأ الشكوى من الأضطهاد و الظلم , و يطالب لنفسه بموقع بين القيادات العامة .
و يصاحب ذلك هبوط فى المتابعة النقدية الى حد إنعدامها تماماً من الثقافة العربية , صحيح أنه يوجد من يكتبون فى النقد , و لكنه ليس الا كلمات صحفية غير واعية و غير خبيرة بهذا الفن او غيره من الفنون , حتى الندوات ليست الا دردشة . يظن البعض منهم أن النقد هو البحث عن المثالب أو الهجوم الشرس على العمل الفنى و صاحبه , و يظن الأخرون أنه المدح .. هذه السهولة فى النشر و الدعاية لا تخلق كاتباً , بل تخلق نوعاً من الشوشرة على النتاج الأدبى الحقيقى .
-
لكى نتكلم عن الأضافة و نقول إن الشبان أضافوا أم لم يضيفوا فإن هذا سابق لأوانه جداً – و أشار بيده الى أعلى – فكاتب ينشر رواية أو اثنين او حتى ثلاث بهذا الأسلوب الذى ذكرناه , و فى هذه الظروف العامة التى أشرنا اليها , لا يمكن أن يشكل أى أضافة , انما هو بالكاد يقدم نفسه , و نحن أيضاً – بالكاد – تعرفنا على ملامحهم , لا أزيد و لا أقل , بعضهم كانت ملامحه واضحة و تدل على انه سيكون شخصية , و هذه هى النسبة التى تقول أنت أنها تمثل ربع النتاج المطروح 25 % وبعضهم ملامحه لاتزال غائمة , غير واضحة تماماً , و بعضهم الثالث بلا ملامح من الأصل ! و حين أقول الملامح اقصد بها الخصائص الفنية التى يتميز شخص دون أخر و مدى استعداده و قدرته على تطوير هذه الخصائص و إنضاجها .
و فى هذا الميزان أقول أنى معجب بعدة مشاريع لكُتاب سيكونون جيدين فى يوم قريب جداً , و هناك نسبة منهم أراهن عليها بشدة لأقترابى منها و تأكدة من مواهبهم , حتى و لو كانت ثقافتهم قليلة مثل حمدى أبو جليل و احمد العايدى و ياسر عبد اللطيف و ياسر أبراهيم و شحاتة العريان و سهير المصادفة و حيد الطويلة و مكاوى سعيد و محمد داوود و احمد ابو خنيجر و محمد صلاح العزب و ياسر عبد الحافظ و سحر الموجى و أمينة زيدان مع الأعتذار عن الأسماء التى غابت عن ذهنى بحكم الأنشغال . هؤلاء أراهن عليهم , و لا يعنى ذلك اننى الغيت الأخرين , لا , بل أننى اتحفظ حتى على رهانى , لأن الزمن هو الفيصل الحقيقى , و هو الحكم العادل فى هذا الأمر على وجه التحديد , لأنه كان فى جيلنا , و فى كل الأجيال , اناس يحققون حضوراً قوياً فى مراحلهم الأولى ثم يتساقطون فى الطريق لسبب أو لأخر . فلكى نحكم حكماً صائباً على تجربة ما فلابد أن يكون ذلك بعد عشرين عاماً , فان كان لدى الكاتب موهبة تكون قد تأكدت , و أن كان هشاً يكون قد أنتهى .
-
دائماً ما يقع الكاتب الشاب فى الرغبة غير الواعية للصدام مع المجتمع و الخروج على التقاليد لمجرد الخروج . هذا الكاتب فى العادة يعانى من ضغوط أجتماعية و تربوية قاسية . يخضع لها طويلاً و حين يجلس للكتابة يجد نفسه – تلقائياً – فى حالة مقاومة لهذه العادات و التقاليد التى تضغط عليه و ترغمه إرغاماً على أن يعيش و يأكل و يفكر و يتزوج و .. و .. بطريقة معينة .
هذه حالة صحية فى جزء كبير منها , و لا تكون صحية تماماً إلا إذا الكاتب قد تكونت لديه مبادىء فلسفية خاصة من وراء الكتابة .. معظم الكتاب الشباب ليست لديهم أى فلسفة من وراء الكتابة إنما هم " يكتبون و بس " محاكاة لما قرأوه لكبار الكتاب العالميين او المحليين , و تبقى فى وجداناتهم تأثيرات من هؤلاء الكتاب الذين قرأوهم , فتتسرب الى نتاجاتهم دون أن ينتبهوا .. الأعمال الأولى لأى كاتب لابد ان تكون هكذا , قلما يأتيك كاتب بعمل اول قريب من الكمال , لكن الكاتب الواعى بموهبته لا يقع فى هذه الصدامات بالمجان , انما هو يتخير المناطق التى تصلح للصدام المثمر : أن يعمل على تحرير القارىء من عادات بالية لا جدوى منها , ان ينبه القارىء الى مواطن الزلل فيتجنبها , ان يشرح له تفاصيل تجربة حساسة .. وإن لم تكن هذه التفاصيل ضرورية لإثراء التجربة و شحنها بالمصداقية فانها تكون تزيداً و فضولاً يسقط العمل .
و نحن يجب ان نتجاوز قليلاً عن طلب التكامل الفنى فى التجارب الأولى , لكننا يجب أن نحذر – بشدة – الكتاب المولعين بالفضح , و بالأمعان فى وصف الضعف الأنسانى , لأن هذا فى النهاية يعتبر تكريساً للفضح و الضعف الأنسانى .
أنا اوصى أبنائى من الكتاب الشبان ان يفتشوا وراء كل مشهد سيكتبونه , و ان يقوموا بعملية غربلة او تحليل – بالمنطق الشعبى – بالمنخل الحرير , بحيث لا يتسرب للمشهد أى مظهر من مظاهر العقد النفسية للكاتب . على الكاتب أن ينتبه جيداً الى عقده النفسية الخاصة , و الى إجنه الخاصة – بمعنى أن يكون الكاتب ممروراً من شىء أو شخص او وضع – لأنه ان لم ينتبه اليها س" يفطس " العمل . هذه هى المشكلة الكبيرة أمام الكتاب الشبان : كيف يتحرر الكاتب من هذه العقد النفسية و الإحن الشخصية حين يكتب , سواء عن نفسه أو عن الناس , إذا تحرر منها سيقدم فناً صافياً خلاقاً . احذرهم – كذلك – من الأغراق فى تفاصيل الجسد , أو فى وصف الجسد , أو فى عبادة الجسد , لأن الجسد مجرد وعاء . و انت حيت تكرس للجسد فأنت تكرس للوعاء الذى لا قيمة له فى نهاية الأمر . فنحن نرى الجسد من خلال النفس التى تسكنه و لا نرى النفس من خلال الجسد .
جزء من حوار اجراه سمير درويش
مع الكاتب : خيرى شلبى
نشر بمجلة الثقافة الجديدة
العدد 220 – يناير 2009
--


