Monday, March 01, 2010

رسائل البحر

قرر داوود عبد السيد أن يقف بعيداً ينتظر شىء ما قد يأتى و ما أن وصله حتى كتبه فى رسالة وضعها بزجاجة مربعة و رحل الى الأسكندرية و القاها فى المياه و تركها للموج يقذفها الى الشاطىء حيث نقف!!.

رسائل البحر .. فيلم حالم دفىء متواطىء الى أقصى درجة مع الروح و العقل, ملىء بكادرات رومانسية صافية بسيطة, انتقالاته هادئة مسالمة, فيلم يخاطب الأنسان بداخلك, يخرجك من العالم المادى, من المدينة المليئة بالصخب و الضجيج التى تلهيك عن الجمال المحيط بك ( الفيلم لا يوجد به رنة موبايل او  موبايل, او كمبيوتر, او حتى تلفزيون ).

حالة من الصفاء و السكينة, سلة من الهدوء و السعادة تقدم اليك على نغمات من الموسيقى الكلاسيكية فى واحة خضراء يطير فى سماءها عصافير تصدح بأجمل الألحان الملائكية و انت جالس على مقعدك الوثير ترتشف شرابك المفضل فى جو ربيعى منعش بجوار كل أحبائك الذين تريدهم!!.

(بعد ان خرجت من السينما فى ذلك المول الكبير و ارتطمت باذنى اصوات مدينتى القاهرة و بأنفى رائحة العوادم, شعرت بالغثيان و القرف الشديد فالفيلم وضعنى فى حالة شبه روحانية, انستنى تلك المادية اللعينة).

الفيلم ملىء بالرموز و الأفكار مخلوطة بالقيم الأنسانية الجميلة و المنغمسة فى فلسفة بسيطة تصل اليك فى هدوء, تخاطب روحك و عقلك و تبعدك عن لغة الشارع, تشعرك بالوحشة و الحنين و اللهفة لوطن جميل تبحث عنه فى مدينة فاضلة وسط صخب تخشى منه و لا يخشى عليك.

يحيى بطل الفيلم الدكتور السابق و صياد السمك الحالى رمز بسيط للأنسان الثورى الحالم الرومانسى المحمل بالمثاليات الذى يرفض غواية الشر الجميل, هو الأنسان المثقف الواعى الذى يحاول فك طلاسم الرسالة و لكنه يعجز امام طغيان الجهل باللغة المستعملة فى الرسالة!!!, فقد بحث عنها فى جميع لغات العالم و لم يجد لها معنى.

هو الأنسان الذى لا يستطيع ان يفعل الا ما يستطيع أن يفعله . هو الفيلسوف و المثقف و الحالم و الثورى, الثائر على الفساد المحيط به, الذى يتأتأ و يفقد الكلمات امام العالم المادى, امام غضبه على المادة يفقد اللغة و تتثاقل الكلمات فى فمه فتخرج متقطعة. يحيى هو تاتأة المثقف امام عالم من الفساد.

فى واحد من أقوى المشاهد المعبرة, يطلب الحج هاشم الذى يعرف الله و لا يفوت فرضاً ( الذى يريد شراء المنزل الذى يقطن به يحيى ليهدمه و يحوله الى موول كبير ). يطلب من يحيى ( الذى يرفض بيع الشقة لأنها تاريخه الشخصى ),  ان يزوره فى السوبر ماركت ليفطران سوياً . يصعد مع يحيى الى الطابق العلوى من السوبر ماركت, يقدم له تفاحة, و يخطره بأن يستبدل شقته الحالية فى تلك العمارة باختيار من ثلاثة اما شقة ادارى تصلح كعيادة طبيب فى منطقة مشهورة و فى المول الجديد الذى سيقيمه الحج, اما شقة فى أحدى عماراته الحالية, اما نقود . و لأن يحيى لا يستطيع ان يفعل الا ما يستطيع ان يفعله, يرفض بكل بساطة و هو يعيد التفاحة ( رمز الغواية ) الى الطبق مرة اخرى و ينهض و يترك له الغرفة و السوبر ماركت ( رمز هو الأخر ).

يحيى الذى يرفض غواية الشر الجميل المتمثلة فى القوة و الشهرة و النفوذ و الأستقرار ( اليس هذا مانبحث عنه جميعاً !؟) و التى تجلت فى الموول و النقود و الشقة , و الذى يتأتأ فى وجه الفساد يتحول الى متكلم فصيح تنطلق كلماته فى سلاسة و هدوء فى ليلة رومانسية على ضوء الشموع مع الحبيبة فى لحظات خالصة من الحب تخبره نورا و هى تضحك فى وجه " انت مش واخد بالك انك مبقتش تتهته " !؟.

نورا تلك الفتاة الذى استمتع الجمهور بجسدها متأكداً من كونها مجرد مومس هدفها الرئيسى ( كما تعود من أفلام اخرى ) ان تكون مجرد تسلية يتندر عليها , يفاجأ الجميع بأنها صاحبة الموسيقى الكلاسيكية التى تتداخل مع سعادة البطل و تصنع بهجته , يخبرها يحيى عندما تذهب اليه بمشغل اقراص و سى دى لسيمفونية كلاسيكية يحبها و تقوم بتشغيلها , يخبرها بأنه يكره الأسطوانات لأن كل شىء بها مثالى , اما التجربة الأنسانية فهى اكثر أكتمالاً لانها تشكل مغامرة و دائماً ناقصة الا أنها اكثر متعة " مرة الاوركسترا يبقى ممتاز , مرة المايسترو يبقى سىء جداً , مرة العازف يبقى متفوق , مرة يبقى المسيقيين نشاز ". هذه هى الحياة الأنسانية الكاملة , دائماً غير مكتملة و تشكل مغامرة , فنحن لا نعرف ما سيحدث, ربما نستمتع فى لحظات و اخرى نحرم من السعادة لان اخرين قرروا أن يطبقوا الحزن علينا حسب سلطة ما ( مشهد ضرب يحيى فى الشارع على يد الشرطة لأن الضابط أعتقد انه يسخر منه بتلك التأتأة و هو يحمل مشغل الأقراص الذى كانت تخرج منه فى اللحظة السابقة الموسيقى الكلاسيكية التى يعشقها , مشهد جميل يعبر عن عمق المغامرة التى نحياها مع اخر لا يستطيع ان يفعل الا ما يستطيع ان يفعله ) .

نورا, الفتاة التى تكتشف انها ليست مومس و لكنها تحتاج الى التحرر من صورتها السلبية التى صنعت عن ذاتها و استسلمت لها حتى انها صنعت حكايات كاذبة عن نفسها , تحرج مخيلتك و تجعلك تعيد النظر اليها ( مغامرة المفاجأت التى يضعك بها داوود , كأنه يعيد تعليمك الحياة الأنسانية و يعيد صياغتها فى عقلك المنهك المادى , يجعلك تنظر الى الأخر دون شك بل بحالة صفاء و قبول فالتى اعتقدت انها مومس, تجدها تتألم من تلك الصورة المصنوعة عنها حتى انها تصدقها ).

ربما تكون رسالة صياد الى اولاده , او صلاة راهب , او رسالة تحذير , او حتى شخص بيهزر .

هكذا تخبر نورا يحيى فى مشهد النهاية عندما يتسائل يحيى عن ماهية الرسالة . تجيبه نورا بالكلمات السابقة . رسالة من الحياة. رسالة تمثل ابعاد الأنسان فى تلاحم شديد, تمضى من افق الى افق و من حالة الى حالة , نسيج انسانى بسيط يصنع العالم المحيط بنا يرسل لنا برسائل لا ينبغى أن نهملها حتى لو لم نفهمها , قبول للأخر حتى لو كنا مختلفين , تيارات بشرية تصنع يومنا بين العائلة و الأسرة و المواطن البسيط ( صياد و اولاده ), او صلوات المؤمنين, او صرخة تحذير من فساد او خيانة, او حتى ضحكات بسيطة تسعد يومك ( شخص بيهزر) .

فى مشهد النهاية, الأكثر إجمالاً و جمالاً , تجد نورا و يحيى فى قارب, يتراقص فوق المياه, و الموسيقى تدوى فى الخلفية يقطعها صوت الديناميت الذى يستخدمه الحج هاشم فى صيد الأسماك, تطفو تلك الأسماك الميتة على وجه المياه , تحيط بهم و بالقارب فى تعبير واضح و جميل , حيث يعدك عبد السيد بأن الفيلم سينتهى و ستخرج الى عالمك الجميل المحاط بالأسماك الميتة التى يصطادها الهاشميون بالديناميت, مقدمين لك تفاحة الشر الجميل, و يذكرك بأن هناك الف نورا تسىء الظن بها.

رسائل البحر .. هو ايقونة الأنسان .

داوود عبد السيد .. شكراً.


3 comments:

سمير مصباح said...

قراءة رائعة للعمل لا تقل ابداعا عن العمل نفسة

تحياتى

karakib said...

حاولت اكتب عن الفيلم و ما عرفتش ادي له حقه يا رامز ... اتفرجت عليه اربع مرات
بيفكرني بالكيت كات ... كل صاحب عاهه جبار ... و يحيي كان جبار في نبله و انسانيته ... الادوار في الفيلم متوازنة بشكل مش طبيعي ... دور قابيل بتاع محمد لطفي حلو اوي ... اخر مرة كنت باتفرج علي الفيلم ده في سينما النايل سيتي كان قاعد جنبي يسري نصرالله و ما قدرتش افوت فرصة اني اسأله ... رأيك ايه في الفيلم ده ؟؟ بص لي و ابتسم و فرد ايديه لقدام ... ما لقاش حاجة ممكن تتقال ... غير لغة الجسد ... و لما كنت خارج لقيت تلاته قاعدين متنحين في الشاشة بعد ما الفيلم خلص بيسمعوا المزيكا و مش عايزين يخرجوا من الموود اللي الفيلم حطهم فيه ... او هو ده اللي بيتهيألي كانوا بيحاولوا يعملوه ... خرجت من الفيلم ده فعليا
spiritualy filled
:)

Shades of Blue said...

تعمل ايه لو السمك الميت كان بتيفرج معاك على الفيلم؟ السبنما كانت ممتلئة بالشباب الصغير حصاد الفساد اللي احنا عايشينه في كل حاجة ومابطلوش ضحك خصوصا لما كان بيفاجئهم منظر واحده قالعه هدومها وواقفة قدامهم وهما مش عارفين يعملو ايه غير انهم يضحكو من الصدمة. محتاج اشوف الفيلم تاني لوحدي