Friday, April 16, 2010

لا احد يعود من البئر

-1-

لا أحد يعود من البئر .. أذن انا أسمى " لا أحد"!!.

جملة قديمة كنت قد قرأتها لا أتذكر بالضبط أين و متى ) قد تكون فى إحدى كِصص رجل المستحيل ).

يأتى الأتى سريعاً ليزف لنا الأخبار و يُعلمنا بما صار . ان المظاهرات تجتاح البلاد طولها و عرضها و زواياها . تمنع الشرطة التصوير و تحرم الأعلام من تغطية الحدث, فتظهر منى الشاذلى تبكى على مافعلوه معلنة أنها كممثلة للأعلام المحايد, كانت تبغى التصوير حتى تظهر الحقائق حيث أتهم الأمن المتظاهرين بالهجوم و الضرب و تعدى الحدود. ينتهى 6 ابريل كما بدأ , ماسخ و سخيف و ممل.

فكرة الثورة التى تجتاح عقول المتظاهرين .

ثوار العالم الثالث, الناصريون و اليساريون القدماء, الذين خرجوا للهتاف ضد النظام القائم , مهللين لمجد غابر ثورى , يتعمدون بكل بجاحة اغفال ان ثورة 52 لم تأتى على ظهور المتظاهرين و نجاحها جاء نتيجة خطأ فى التوقيت ارتكبه " يوسف صديق ", و ان رجل الحرب و السلام كان فى السينما يتشاجر مع ذى الطربوش لينتقل بكل هدوء الى القسم . ثورة 52 الناصرية كانت ذات غطاء ديموقراطى أشتراكى و لما نسى غطاءها , محمد نجيب , ان ذلك الشعار هو عجل الدبابات و ليس ذخيرته , رفع عبد الناصر هذه الفكرة من رأسه و صححها و عدل مسارها سنة 54 . قد لا يبدو الوضع بهذه السذاجة التى نعملها و لكن يكفينا ان القصر كان يعرف أيضاً .

القصر , هل تعلم ما هو القصر ؟ ..

السيد حمدين صباحى ناصري قلباً و قالباً, ثورى مشتعل كالجمر , غاضب كيوم الثأر. حمدين صباحى, مؤسس حزب الكرامة و الخارج عن الحزب الناصرى و المنشق عليه , ظهر على شاشة قناة الجزيرة محمولاً على أعناق المتظاهرين يهتف بكل قوة : الشارع لنا.. السيد حمدين صباحى, خريج القصر الناصرى, اتمنى ان يجيب عن سؤال أبدى معلق منذ بدأ التاريخ الثورى المصرى سنة 52: ما هو وضع أى متظاهر ايام سيد القصر , عبد الناصر ؟. يجيبنا على هذا السؤال بكل ألم و وجع , الأخوان المسلمون .

ينهى عبد الله كمال مقالته الأسبوعية عن " ذوات الأربع " , و هو مصطلح صكه مصطفى أمين على مجموعة من الكتبة بمجلس الشعب كان يدفع لهم " اربعة جنيهات " شهرياً مقابل اخبار عن المجلس و من هنا كان اسم ذوات الأربع, و تكمل منى الشاذلى لقائها مع علاء الأسوانى الذى لا أفهم سر غضبه الديموقراطى التقدمى, حيث قاطع خيرى شلبى ( الأكبر مقاماً و سناً ), قاطعه اكثر من 6 مرات فى 5 دقائق أثناء حديثه الذى لم يستطع انهائه نتيجة تدخل الأسوانى , يبكى لنا الأسوانى و منى الشاذلى على ما اقترفه الأمن فى حق الأعلام حيث منع التصوير . لنفاجأ نحن جموع الشعب الجاهل , بأن هناك مظاهرة جديدة خرجت الى الشارع بعد اقل من أسبوع , كان حمدين صباحى هو المحمول فيها على الأعناق , قامت بتصويرها كل القنوات و شاهدنا جزء كبير منها على شاشات قناة الجزيرة , شاهدنا المتظاهرون و هم يضربون الشرطة و يهاجمونها و يكسرون الحواجز ليصبح الضرب متبادل !!!! بين الشرطة التى تضرب دائماً و بين متظاهرى " الشارع لنا ".

فى هذه الأثناء يكتب لنا مدون عن ازمة أنجيل برنابا , و يخرج ابو اسحق الحوينى ليكفر كل من يشارك , حتى لو كان بائع بيض و فسيخ و رنجة , فى اعياد شم النسيم. ينهى المتظاهرون صياحهم ثم يتجهوا الى الأزهر البارك ليحتفلوا بكوكتيل بارتى يشترك فيه بعض المتظاهرين بأسكتشات و فنون التمثيل لينتهى يومهم فى مقر حزب الغد الذى سيوزع شهادات تقدير لكل من شارك فى المظاهرة . يصلى البرادعى صلاة الجمعة فى المنصورة و يحضر يوم السبت قداس العيد فى الكاتدرائية , و يوم الثلاثاء يزف الينا موقعه , موقع الجمعية الوطنية للتغيير , بيان يدين فيه مظاهرات 6 أبريل ممهور بتوقيع عبد الرحمن يوسف , الذى الغى علاقته بصديق له على الفيس-بووك يتسائل عن ممول حملة البرادعى !!.

صوت صارخ فى البرية أعدوا طريق الرب و اجعله سبله مستقيمه .

هكذا صرخ يوحنا المعمدان. توجه المسيح الى يوحنا الصارخ فى البرية يطلب ان يتعمد فى ماء نهر الأردن . انا اعمدكم بماء و سيأتى بعدى من يعمدكم بالماء و الروح . يُكمل يوحنا المعمدان . ينظر اليه المسيح ,يتعمد و يرحل.. و يتقدم خلفه طابور طويل من المتظاهرين فيتدخل أيمن نور و يصرخ " صوت صارخ فى المحافظات , اعدوا حملة طرق الأبواب و اجعل سبيل الأنتخابات مستقيمة " و يكمل بكل قوة " جاء قبلى من عمدكم بالماء و الروح .. اما انا الحق الحق اقول لكم , اذا كان الأنبياء معمدين بالروح , فانا اعمدكم بالمظاهرات و الكوكتيل بارتى و شهادات التقدير " , فيهتف المتظاهرين بكل قوة " اصلبه , اصلبه ". يبكى المسيح على الصليب و يرفع رأسه الى أعلى " اغفر لهم يا ابتاه , لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون " .

ما علاقة هذا بذاك ؟ و لماذا تُدخل المسيح و الدين فى السياسة .. يتسائل البعض .

لأنى لا أبدأ كلماتى المكتوبة بمقدمة سطرية مشهورة " بسم الله الرحمن الرحيم " و لا اؤيد جماعة الأخوان , الا ان صاحب عامود اخبار العصفورة القديم و الشهير , ايمن نور , يحاول بكل بساطة ان يظهر كمسيح جديد, يصلب وطن على خشبة الحكومة بينما تحاول الحكومة ان تغسل يدها من دم هذا الوطن . كثيراً ما سئلت نفسى و انا أصلى " يا مسيحى , لو كنت انا واقف وسط الجموع فى مشهد المحاكمة , هل كنت سأنادى معهم , اصلبه اصلبه و اصرخ بكل شجاعة دمه علي و على أولادى , ام كنت ساسكت على الظلم و اهرب مع التلاميذ و اختبىء مع الثلاثمائة الذبن امنوا بك و اختبئوا خوفاً , ام ساكون شجاعاً كما فعل احد تلاميذك و جرى يساندك تحت الصليب ؟" .. لا أستطيع ان اجيب عن هذا السؤال و لم يعطنى الهى الأجابة حتى الأن ربما خوفاً من ان يصدمنى و ربما لأنى لا أستحقها .

الهى الهى لماذا تركتنا ؟

يصرخ براد بريت بهذه الكلمات فى احدى الأفلام , و لما تسئله زميلته فى المكان الذي يختبئان به اثناء الحرب , يجيبها و هو يحمل سلاحه : كنت اعتقد ان الله معنا فى حروبنا , و لكنى اكتشفت انه رحل من زمن بعيد و هو يشيح بوجهه بعيداً عما نفعله .

-2-

عن الدولة المدنية أحدثكم .. و حديثى هذا هو حديث فاسق أتى بنبأ , لأننا لا نعلم ما هى الدولة المدنية. ربما استطيع ان ابدأ كلامى عن راقصات المعبد و خادماته او ان استنطق افلاطون ليخبرنا عن جمهوريته او ارن جرس مدرسة فرانكفورت و افتح بوابتها , ليندفع الطلبة ليتم افساد عقولهم او تنويرها حسبما يرى كل فريق او حتى اهز عرش احدى الملوك فيخبرنا عن الريع و فوائد الريع و جمال الريع , لكن لا تطلبوا منى ان اعطيكم عوائد البترول او حتى اتبرع بجزء من مرتبى لبناء محطة نووية .

يخبرنا السيد بطرس غالى ان عوائد الضريبة العقارية ستذهب الى المحليات !!!, المحليات التى اعلن السيد زكريا عزمى ان الفساد بها للركب . لا أستطيع ان اهتف لبطرس غالى لأنه مسيحى فى الوزارة , لا اضحك و لا أبكى و لا أهتف . قد اكتب تدوينات طويلة احلل فيها علاقات السلطة و المال و النسبة و التناسب بين العقل الجمعى الدينى و العقل الجمعى السياسى و التأثير المتبادل . لا اهنىء الرئيس على سلامة الوصول بعد نجاح العملية الجراحية لأنه شأن شخصى و عائلى و ان كنت اتمنى للجميع , حتى للرئيس , دوام الصحة و الستر . لا اهنىء الأبن ( الأب حالياً ) جمال مبارك , على عطاء الله له أبنة صغيرة لأنها شان عائلى ايضاً و لكنى اتمنى من الله ان يرزق الجميع ذرية صالحة و خلف يرفع اسمه على الأرض . لكنى اتعجب من كل من يدخل تلك الشئون فى الهجوم على المؤسسة.

هل تحب الحكومة ام تحب المعارضة ؟

اوقف البعض رجل ,شاهرين فى وجه السلاح مهددينه, سئلوه : انت معانا و لا مع الناس التانيين ؟ .. فيجيب الرجل بكل شجاعة و هو مهدد بالسلاح : انا معاكو .. و لأن النكتة المصرية نكتة , كما نعرف تنتهى بمفاجأة حراقة , فقد اخبروه بكل شجاعة : احنا بقى الناس التانيين !!!!!. ماذا يفعل هذا الرجل ؟

ميكرو-فيزياء السلطة هى الحل .. كما يخبرنا فوكو . اما تفكيك الوضع الثقافى و هدمه و اعادة بناءه فهو مسئولية دريدا و هربرت ماركيوز او عبد الفتاح القصرى و عبد السلام النابلسى.

فى فيلم اسماعيل ياسين فى الطيران , يذهب الشاويش عطية الى موقع العمل و وجهة ملىء بالشاش و اثار ضرب مبرح بادية عليه, فيسئله سُمعة : انت وقعت و لا حد ضربك ؟ . فيجيبه الشاويش : لا موقعتش.. هى اجابة نافية تامة . و هنا يخبرنا فوكو عن كون الأجابة هى جزء من سلطة النص , يمتعض دريدا مطالباً سُمعة بمزيد من تفكيك الطائرة حتى يتسنى له الوقت للتحليل اما هربرت ماركيوز فيضحك و يحدثنا عن الأعلام المراوغ و ان الاجابة هى جاءت عن طريق نفى نصف السؤال. يضحك عبد الفتاح القصرى ضحكته الشهيرة و ينظر اليك بعينيه المتباعدتين , و يخبرك بأنه من الغد سينتشل الباخرة نورماندى تو من الغرق, اما عبد السلام النابلسى فيمد يده صارخاً : وشك وشك وشك.

تبكى منى الشاذلى لعدم تصوير الأعلام للمظاهرة , فتخرج اخرى تصورها عدسات الكاميرات , يصلى البرادعى و يهنىء بالعيد و يسعى الى تغيير الدستور و يلقى بخطاب يدين فيه شباب حركة ستة أبريل . اما سُمعة فيحرك شلاضيمه و يهزها بقوة و يسئل مستعيناً بمثل مصرى عريق : اللى ملوش كبير , يشتريله كبير و شباب 6 ابريل صغير , مين الكبير ؟ , فيخبره عبد السلام النابلسى : وشك وشك وشك . يخرج البرادعى من الدولاب مهنئاً ميرفت امين بزواجها من عادل أمام , فتصرخ نبيلة السيد مشيرة إليه: عريس يا اماى , عريس .

تُصر صديقة لى , ينتهى اسمها بالتاء المفتوحة , ان تسئلنى كل مرة بعد ان تنهى قراءة تدوينة لى : نفسى اعرف رأيك . فيسئلها دريدا بعد طول تفكير : بتحبى المعارضة و لا الحكومة ؟ فتجيبه بكل غضب : و انت مالك , دول كل مرة بيحددوا مكان المظاهرة , ليه ما يعملوهاش فى مصر الجديدة مثلاً او فى عين شمس او فى المطرية ؟. و تسكت عن الأجابة. و هنا يتدخل علاء الاسوانى مقاطعاً خيرى شلبى : بحب المعارضة طبعاً , هى دى عايزة سؤال . ينهض فوكو من مكانه و يُكمل شريف عبد العزيز مطالباً ان لا يتكلم احد بلسان الاخر فيعجب بكلماته دريدا و ينهض يرافقه ليكمل مناقشته فى تلك الفكرة .

هل تعلم عزيزى المواطن.. انك مش عزيزى و لا أنت مواطن ؟..

يهتف حمدين صباحى : الشارع لنا, فتخبره صديقتى بأنه اذا كان الشارع لكم , فلتغير مكان الشارع , فيضحك افيخاى ادرعى, المتحدث الرسمى للجيش الأسرائيلى , مكملاً بان السلطات الأسرائيلية ستقوم بترحيل 70 الف فلسطينى و لربما يملئون هذا الشارع الاخر , لذا يفضل ان تكون المظاهرات فى وسط البلد. تراوغ صديقتى و تخبرنى : عارف الأنديف ابو 59 جنيه ؟ فيضحك ماركيوز و يشير اليها بسبابته الا ترواغ . اما انا فاصمت و لا اخبرها رأيى ابداً . فيتدخل نائل بالترجمة متحدثاً الى الجماهير الغفيرة أنه ثبت بالاوراق الرسمية ان السفارة الأسرائلية مطبعة مع الكيان اليهودى الصهيونى. فيجيبه اخر مؤكداً على كلامه و مضيفاً : ان المسيح يهودى الأصل لذا وجب مقاطعة المسيحيين , يعجب بالفكرة ابو اسحق الحوينى و يكفر كل من يشارك فى أعياد شم النسيم .فتبكى صديقتى علىّ لأنها مضطرة لمقاطعتى , و يحزن شريف لأن لا أحد يتكلم عن نفسه بل يتكلم الجميع بلسان الجمع .

تشرب ميريت و لا تاخد علبة مارلبورو ؟.. اهى كلها سموم . هات علبة ال-أم أزرق و خلاص.

صديقى عبد الرحمن مصطفى , لم يمسك تليفونه الجوال ليهاتفنى و يهنئنى بالعيد , كأن الوحدة الوطنية قد ضربت فى مقتل , عبد الرحمن الذى هاتفته لمدة 5 دقائق ( من ام الدقيقة بريال ) فى عيده مهنئاً, لم يتصل بى يهنئنى و اختفى , ثم قرأت عن خبر تسميم 39 مصلى بكنيسة بحلوان .. اين كنت يا عبده باشا و ماذا فعلت ؟..

تتمتع العقلية المصرية بالقدرة على الألتفاف على الحقائق و المراوغة بأساليب يشيب لهولها الأقرع. لا تستطيع ان تعرف الحقائق الا اذا كنت فرد من صانعيها. مهما قرأت و مهما تابعت من احداث , لن تعرف مايدور فى الكواليس و لكن لأن المولود يحمل صفات والديه, و لأن المنتج و المصنوع له فكر الصانع و مطبوع ببصماته , فهل تستطيع ان تحكى لى عن الكوكتيل بارتى و شهادات التقدير ؟..

لا احد بعود من البئر .. لا أحد.

يتهمنى احدهم بأنى ضد حركات التغيير و انى اظهر وجهى الحكومى القبيح بقوة, بينما يتهامس أخرون بأنه مسيحى اخر , لا داعى للحديث معه فهو يأمن " خير " التيار الدينى بشر الحكومة. يصرخ فى وجهى مناضل بأنى اطعن فى شرف الحركة الوطنية و حتى لو الحركة الوطنية بها بعض الهفوات, ينبغى ان نتعامل معها بحرص و عناية لا أن نطعنها بغدر و خيانة . اما المتظاهرين فينظرون اليك بوجههم الدامى من الضرب و ظهورهم العارية الملطخة من التعذيب و فتياتهم يبكين من الأهانات الجسدية, ينظرون لك بأسى و يدهم اليمنى ممسكة بشهادات التقدير, يتحسرون عليك و يتباكون ان مازال هناك أعمى أخر لا يدرك ما يبذلونه من اجل الوطن و من أجل جاهل مثلى. اما حكمائهم فيعلنون على الملأ انه عندما تقوم الثورة , سيقبل الثوار من هم على شاكلتى و يعطفون علىّ حيث سأرفل فى النعيم و أسبح بحمدهم و لكن تفضلاً منهم, هم يتحملونى الأن كضريبة نضال. اما الحكومة فتنظر اليك بتوجس و خيفة و رعب , فأنت مثقف تقرأ و تفهم و تكشف و لست معهم بل تهاجم فسادهم بنفس الضراوة التى تكتب بها عن المعارضة, لذا فهى لا تفهمك و انت لا تقبلها . فلماذا أذن لم يتصل عبد الرحمن يهنئنى بالعيد ؟ و هل هناك علاقة بين أختفائه و تسمم ال39 بكنيسة حلوان ؟ ام انه مجرد تزامن ؟ .. هل تشككتم فى عبد الرحمن , ام انه فعلاً الفاعل ؟.. ام هى الاعيب اعلام مضلل تعمد تشويه سمعة صحفى ؟.

-3-

يصدح صوت مروان قدرى و يخرج بخلفية موسيقية قوية معلناً عن اكبر مسابقة للبلاى ستيشن فى مصر , يسافر الفائزون بها لحضور مباريات كأس العالم, فيتململ محمود سعد على كرسيه فى برنامجه الشهير على القناة المصرية محاولاً الصلح بين مرتضى منصور و شوبير , على خلفية ابو ليفية يتمتم بكلماتها " لا لا لا , انا مش خرنج , دا انا كينج كونج , دا انا و انا رابط ايدى بلعب بينج بونج ", فيظهر شخص متشح بالسواد يرفع يديه بعلامة النصر يغنى" دا انا اراجوز متربى فى سيرك , مش عيل كاورك " , ارفع كوب العصير و اقربه الى شفتى و اضغط على الريموت ناقلاً الى محطة اخرى اشاهد مسابقة " من قصص الأنبياء " منتظراً الفزورة التى يكون حلها " المسيح ", تنتهى المسابقة فيظهر محمد سعد يهز اردافه و مؤخرته لتظل افلامه جزء من التراث و علامة من علامات السينما المصرية ( حتى لو كانت علامة سوداء ).

فى فيلم اللى بالى بالك , يتشاجر محمد سعد مع زوجته معترضاً على ذهاب بنته الى درس الموسيقى عند جدة البنت صارخاً " عند امك " , فتجيبه زوجته مصححة " اسمها مامى , مش امك "..

اه.. نسيب الموضوع الرئيسى و نتناقش فى " مامى و لا امك ".

خرجت مظاهرات الشباب سنة 68 منددة بمحاكمات الطيران, كانت تلك المظاهرات هى جزء من مظاهرات شبابية اجتاحت العالم عرفت بمظاهرات ماى 68 , ترك الشباب النكسة و خرجوا بمظاهرات حاشدة , تهز ارجاء مصر لرفضهم ما اصدرته المحكمة بحق قادة الطيران , و لم يحركوا ساكناً بعد الهزيمة قبلها بسنة بل خرج الشعب يهتف بحياة ناصر , اه نسيب المشكلة الرئيسية و نتناقش " مامى و لا امك ؟ " . لماذا خرجت تلك المظاهرات ؟, عندما ظهرت الثورة البرتقالبة هناك , ظهرت افكار التغيير السلمى عندنا. حتى فى السبعينيات ظهرت موجة تهريب و تبادل شرائط كاسيت التى صنعت من الفاجومى و إمام أسطورة و أيقونة الشباب متناسين ان إيران هى التى انتجت الفكرة و طورتها و اكملت الطريق بثورة إسلامية حققت منها اهدافها, حتى مصطلح " البنية الأساسية او التحتية " التى تشدقت به الحكومة و صدعتنا به فى الثمانينيات و التسعينيات, هو مصطلح صكته البلاد الأشتراكية اثناء خروجها من كنف الكتلة الشيوعية.

لا يمكن ان تعيد نفسك او تكررها , وأد الثورة فى تشيكوسلوفاكيا أجتياحاً بالدبابات السوفيتية الذى عرف بربيع براغ, فشل تكراره مع افغانستان . ما فعله جيفارا فى كوبا, فشل تكراره فى اماكن اخرى و انتهى بجيفارا جثة فى مزرعة. ثورة مثقفو اليسار فى السبيعينيات على نظام السادات, انتهى بهم فى نهاية العقد بالسجون و خرجوا و قد تغيرت البلد على أيدى غيرهم, تغيير لم يطمحوا فيه, و انتهى بهم الحال فى احضان السلطة , حتى الأنتفاضة الفلسطينية الأولى هى التى ستبقى فى الذاكرة و أصبح تكرارها بلا أى صدى.فالثائر لا يتعلم بينما يتعلم القصر و يتحول الى مدرسة.

يكمن اعتراضى على ما يسموه حراك سياسى بمصر على التقليد . نحن نقلد تقليد أعمى , لم نطور اى نظام ثورى او حراك سياسى خاص بنا الا مرة وحيدة كانت وقت جمع التوقيعات لسعد زغلول , و لما منعت السلطات الانجليزية ذكر أسم سعد , طورت السلطة الشعبية متمثلة فى سيد درويش " اغنية يا بلح زغلول يا بلح " , وصل اعجاب بعض المثقفين بهذه الحقبة الى حد الهوس و الادمان و الى درجة صنع مسلسل فى مدح الملك فاروق . ( حملة توقيعات عشرينيات القرن الماضى و ليس حملة جمع توقيعات اوائل الألفية الجديدة) , هذه الحملة تذكرنا بحملة التوقيعات السويسرية لحظر المأذن التى لم تتحملها الديموقراطيات العربية . لهذا سئلتك ان تحكى لى عن الدولة المدنية!!!.

يخرج علينا البعض فرحاً , و يعتبر كلامى دليل واضح عن أن الذى يحدث فى مصر هو مجرد أرهاصات و بدايات , محاولات بحث عن حالة مصرية أصيلة , يبحث الثوار من خلالها عن هوية ثورية مشابهة لما حدث فى بدايات ثورة 19 و على ان انتظر ان تسفر هذه المحاولات عن شكل يرضى جميع الأطراف, لذا فلا داعى للطعن فى ما يفعله المناضلين الفيس-بوكيين.

قد اكون مخطىء و قد اكون على صواب و لكن ما يحدث فى مصر لا يعبر عن أى ارهاصات , بل مجرد محاولات لتقليد الغرب فى حركاته السياسية لا تعبر عن أى بلح زغلول او تمر هندى او حتى عصير قصب . حتى ان بعض المظاهرات خرجت أرضاءاً للاعلام.

كانت كفاية هى المظلة التى جمعت كل التيارات المصرية الساعية للتغيير, حتى الأخوان المسلمين, و سرعان ما انفض المولد بعد توزيع الحمص و على المتضرر اللجوء الى المدونات. اتذكر فى أحد الأعوام السابقة, خرجت مظاهرة فى أواخر شهر خمسة كان قوامها , طلبة المدارس و الجامعات, و كانت فى المكان التقليدى للمظاهرات, سلالم نقابة الصحفيين, هذه المظاهرة انتهت بالقبض على عدد كبير من الشباب, و خرجت الصحف تصرخ فى وجه الظلم , حيث أن القبض على الطلبة يضر بمستقبلهم ( شهر خمسة هو بداية الامتحانات للجامعة و المدرسة) , تم اتهام الأمن بأقذع الأتهامات و ظهر القادة التاريخيين للحركة على جميع شاشات الأعلام ببدلهم الجديدة يتبادلون الأتهامات بالعمالة و الخيانة, و خاصة التيار الأخوانى, و لم يتسائل أحدهم من اضر من , الأمن الذى القى القبض على الطلبة المتظاهرين ام من القوا بهولاء فى يد الأمن ؟.. بمعنى أخر , هل نلوم الأمن الذى يخدم السلطة , ام نلوم من القى بهم الى يد السلطة ؟

التيار الدينى الكاسح الذى يجتاح مصر, سواء مسيحى او أسلامى, يقف مانع قوى امام ثورة شعبية كالتى يطالب بها اليسار, فتلك الثورة المرجوة, و التى يداعبها البرادعى الأن, ستنقل السلطة بكل هدوء الى أيدى التيار الدينى, و هو تيار دينى غير مصرى فى الأساس, بعد ان انتقلت قواعد لعبته الى بلاد الريع و حلاوة الريع و جمال الريع, اليسار سيعطى الثورة هدية مجانية الى التيار الدينى و سينتهى به الامر فى السجون يلعق جراحه, يبكى ثم يخرج و قد تغيرت الدنيا, كما حدث من قبل, فالذى قاد الشارع فى السبيعينيات هم اليسار, صحيح بأسلوب لم يستوعبه الشعب الا انه يظل اليسار المصرى, و انتهى بهم التغيير الى أيدى جماعات مسلحة , اجتاحت المشهد المصرى لعقدين متتاليين. هى فتنة طائفية بامتياز.. قد يكون كلامى ساذجاً بالنسبة لك, و لكن ينبغى ان تعذرنى فانا طلبت ان تشرح لى الديموقراطية و نظرية صوت الأغلبية و خاصة لو أغلبية دينية فى بلد شم النسيم .

الطبيعة البشرية, طبيعة تعادلية, لهذا افرز التيار الدينى المتشدد و المتعصب , ارهاصات تيار الحادى. هذا التيار مازال فى بداياته , يتحسس طريقه بصعوبة و يبحث عن هوية, يسعى لبلورة نسق خاص به. لا أستطيع ان اقارن بين بدايات هذا التيار و بين بدايات حسن البنا و لكن الأثنان قد بدءا على أستحياء, احدهما صار على ما هو عليه الأن, كتنظيم بجناحين, اما الأخر مازال فى مهده و ان حاول البعض وأده بمداعبة السلطة الدينية . فهل سينجح هذا التيار فى خلق نسق مستقل علمانى يقف ضد المد الدينى يكون بمثابة حائط صد يصلح المسار ام سينجح التيار الدينى فى وأده فى المهد؟.

لا أعتمد كثيراً على أى من التيارين فى أى شىء و لا أرى لهم مستقبل فالأول تيار بترولى يعتمد على المال المتدفق و الثانى تيار مستورد بأكمله يمثله مجموعة من المهلوسيين المصريين لا يُعتمد علي أسمائهم الوهمية الكودية التى تملأ الفضاء الألكترونى .

فى العام الماضى, جمعنى و مجموعة من أصدقائى لقاء مع جماعة من 6 أبريل, كنا نجلس على أحدى مقاهى وسط البلد, كانوا يتكلمون عن كل شىء الى أن قال أحدهم تعليق ينقد فيه الحركة اللينينية و يتهم الفكر الشيوعى بأكمله بالجهل و الرجعية و التخلف و الدليل " قالوله " عن انهيار الأتحاد السوفييتى. لا أعلم لماذا همست فى أذن صديق بأسم شخص سكندرى, صديق مشترك, و سئلته : لو كان موجود و سمع ما قالوه ماذا كان سيفعل معهم و هو الذى يتهم جيل التسعينيات و الألفية الجديدة بأنهم مجرد يرقات طفيلية!!!. ضحك صديقى و التفتنا نستمع اليهم فى صمت. لا تعليق .

فى كتابات الحزب الوطنى الأخيرة , ظهرت فكرة جديدة قديمة, مبنية على النظام الذى تم أختراعه لأستقطاب المثقفين و اطلق عليه " ضم المثقفين الى حظيرة الحكومة " و هو مصطلح يعنى بكل بساطة ان المثقفين كائنات مدجنة قابلة للرعى و العلف و الذبح و أن الحكومة ما هى الا زريبة كبيرة تضم بين جنباتها, علف المثقفين. هذا المصطلح تم تطويره الى نظرية " التطوير من الداخل " حيث اعلن الحزب عن طريق كُتابه ان من يسعى الى التغيير لابد و أن ينضم الى القافلة لا أن يهاجمها و حيث الحزب الوطنى هو الحزب الذى يمسك كل شىء بيده و يسعى الى التحديث بل و يبالغ البعض و يعترف بأخطاء الحزب و سعيه الى التجديد, فقد ظهرت تلك الدعوة لضم الكثيرين من " الثوار " ليكونوا نواة التغيير بالحزب . هذه الدعوة او أسلوب الدعوة نجح فى أستقطاب كثيرين رأوا أن مصالحهم سترتبط أكثر بالحزب الحاكم.

ما يظهر حالياً من احداث على الساحة المصرية, هو محض خواء, فراغ كبير. و الطبيعة البشرية طبيعة تعادلية, لابد و أن يظهر شىء يملئه, و ما كل ما يحدث الا محض تهييس و تلطيش و ارتباك و بحث عن هوية ما, فى انتظار جودو الذى لا يجىء, حركات المعارضة تلك ما هى الا محاولات فاشلة لملء فراغ, و سعى الحكومة للأستقطاب هو محاولة فاشلة أخرى, نحن امام حالة من العشوائية تجتاح البلد, لا سبيل للخلاص منها, فلا أحد يعود من البئر.. لا أحد.

اما من يدفع الخسائر فهم هؤلاء من يبحثون عن أى نضال. فعدم وجود مشروع قومى وطنى يجمع اركان الأمة او حتى حالة حراك سياسى تشبع العمل الأنسانى لهذا الشباب بالأضافة الى القصص الأسطورية التى يحكيها تلك القيادات التى تعتقد انها تاريخية قد الهبت عقول الشباب الطامح الى أى تغيير او أى مشروع قوى يجمعهم.

تلك القصص و الحكايات الأسطورية التى يحيكها هؤلاء القادة المليئة بأدب السجون و المعتقلات, و روايات الثورة و النضال و المظاهرات و حركات الشارع و التنظيمات السرية و التشرذمات و ثورة الطلبة و الصدامات بين الجماهير و القصر ( سواء القصر الملكى او القصر الناصرى ) و حركة الجماعة المنظمة ( لا تنسى ان الطابع العسكرى لجماعة الأخوان له تأثيره البراق ), التى الهبت عقول الشباب, لا يكملها الى نهايتها هؤلاء الحكائون. فقد انتهت الى تغيير مسلح لم يفكروا فيه, ادى الى كتابة النهاية برصاصات دينية ( تراجع عنها بعد ذلك منفوذها ) و الى ارتماء هولاء الحكائون فى احضان السلطة.. تلك الحكايات التى تملأ الكتب الهمت مخيلة شباب طموح ظناً منه انه سيعيد كتابة تلك الروايات بخطه هو بعد ان كانت بخط هؤلاء المناضلين, ناسين او متناسين ان التاريخ لا يعيد نفسه و ان القصر دائماً ما يتعلم لذا خرجت دعوة " الضم الى الحظيرة " و " التغيير من الداخل ", هذه الأندفاعة الطموح لا يدفع ثمنها الا هؤلاء الشباب, يدفع ثمنها من جسده و مستقبله, و تفضى الى فراغ, لا يتحصل منه الا على كوكتيل بارتى و شهادة تقدير, حُرم منها من يقدمها اليهم, فقد توقع صاحب تلك الشهادات انه سيخرج من السجن ملء السمع و البصر و اذ بالعريس الجديد, البرادعى, يخطف الأضواء منه. لذا فقد هب الأئتلاف الرباعى للأحزاب لينأى بنفسه عن تلك المعركة حتى لا يهرب منه هؤلاء المتحمسون و التواقون للتغيير.

هذا الفراغ الأسطورى, دفع كثيرون الى الأعتقاد بأن حركة كفاية, هى المُخلص و المَلاذ, و اذ بها تكرار ممل و سخيف لرؤى السبيعينيات و لنظرية الرأس و الذيل , حيث التحكم بالجماهير حسبما يترأى للرأس, تلك الجماهير المطيعة التى خرجت, فى وقت امتحانتها لتدفع ثمن اخطأء التوقيت, هى مجرد ذيل لا حول له و لا قوة. (ارسل, يوماً ما , على مصطفى مشرفة العالم المصرى الجليل , بخطاب الى صديقه محمود فهمى النقراشى اثناء ثورة 19, يخطره بأنه سيعود ليناضل مع الجماهير, فما كان الرد, الا ان ظل مكانك فاننا نحتاجك كعالم أكثر من احتياجنا لك متظاهراً ثائراً.)

ما بين دعوة " التغيير من الداخل " و بين " المظاهرات التى تفضى الى لا-شىء ", يقف كثيرون صامتون حائرون. لا تستطيع ان تنضم الى " ثوار " يمثلون ذيل بشرى ضخم تحركه رؤوس لا تبالى بمستقبل أحد, و لا أن تصفق للأمن الذى تعرف جيداً انتهاكاته لكثير من القوانين و تطبيقه الغاشم لقانون الطوارىء حتى مع الموقوفين جنائياً من تعذيب و ضرب و سحل, و لا الى حزب بدأ فى فصل أعضاءه المخالفين !!! بفضائحهم المثيرة للجدل و سياساته غير مفهومة. تلك الحالة المرهقة, المثيرة للأعصاب , هى حال كثيرين الأن, تشاهد و تقرأ و تنفعل و لكن لا تتفاعل, لأنك تعلم جيداً أنك اذا سقط لن تقوم و اذا هويت فى البئر لن تعود.

اى انه باللغة العامية المصرية , كل ما يحدث على الساحة هو " محض هَجص"و لا يرتقى حتى ليكون زوابع فنجانية "..

لذا حافظ على توازنك يا صديقى , حافظ عليه حتى لو تلقيت الهجوم من الجانبين , فلابد و ان يظهر من يملأ الفراغ و يصنع حراك سياسى مصرى مطبوع بطابع وطنى أصيل غير مستورد من شرق او غرب , لا تلطخه طرطشة بترولية و لا مكتوب على غلافه صنع بالخارج و لا حتى نتاج تربية حظيرة فاسدة, و حاذر ان تسقط فى البئر فلا احد يعود,لا أحد....

اللهم الا اذا كان أسمك " لا أحد " ........

1 comment:

Yasser_best said...

يبدو أننا نعيش في مصر عصر الجماهير الغفيرة.. المطيعة

والمعارضون يا صديقي يثيرون الريبة في كثير من الأحيان، فلا هم يؤمنون بالديمقراطية الحقيقية ولا يتداولون السلطة ولا يترفعون عن شبهات الفساد

والفساد طابع بريد على رسائل الحكومة والمعارضة على حد سواء