Monday, May 03, 2010

ع-ق-ل

-1-

اما ما يجعلك حزيناً فعلاً هو السؤال الدائم: كيف يفعلونها ؟. وهو سؤال يدل على ان شىء ما يسير فى الأتجاه الخطأ ويجذبنا معه الى أسفل.

-2-

الموبايلات الصينى هى ما جعلتنى اتأمل الوضع. الموبايل الصينى, يا بنى أدمين, به كاميرا أمامية و اخرى خلفية و ذاكرة ضخمة و شاشة عريضة و يعمل باللمس و به أريال أستقبال تلفزيونى و 6 سماعات ستيريو و فى حجم الكف. هناك انواع منه بها مكان لخطين و ليس لشريحة خط واحدة ( رخص ثمنه جزء من مخطط أقتصادى تتبعه الصين حيث تتعمد تخفيض قيمة عملاتها كى تنافس فى الأسواق, و حسب بعض التقارير الأقتصادية, لو رفعت الصين قيمة عملتها الى قيمة السوق سترتفع أسعار منتوجاتها و سيقل حجم صادرتها, و انا هنا لا أتكلم عن الأثمان و الأسعار ).

ثم جاءت السيارات الصينى لتزيد الطين بلة و الهبل عبطاً و الغباوة بمزيد من التخلف, فالسيارة الصينى, على الرغم من رداءة بدايتها, الا انها فى تطور ملحوظ و بها جميع الكماليات, بدأت فى مصر بالسيارة " الشيرى " و " الجيلى " و انتهت بالجيل الجديد من الأسبيرانزا التى عالجت كثير من العيوب ( انتشار تلك السيارات فى الأسواق المصرية والأقبال على شرائها, يزيد من حجم تدفق الأموال اللازمة لتطويرها, و هو ما حاولت مصر فعله مع السيارة رمسيس و لكن سوء التسويق جعلها مسخرة السيارات ).

الى أن اشتريت كمبيوترى المحمول الجديد, دِل, الصيــــــــــــــــــنى, كل مكوناته صيــــــــــــــــــــنى !!!. حتى المازر بورد!!!.

-3-

اتذكر منذ أيام الدراسة, مصطلحان , الأول اخذناه فى العلوم و الأخر فى مادة الكمبيوتر , الأول هو " fuite des cerveaux " بمعنى هروب العقول , و الثانى هو " un-exported technology " بمعنى تكنولوجيا غير قابلة للتصدير . الأول يقرر أن من ضمن تصنيفات دول العالم الثالث هو عدد العلماء " الخارج منها " الى الدول الصناعية الكبرى مقارنة بعدد من بقى بها, أما الأخر فهو يتكلم عن أن هناك بعض الدول او اغلبها يتعامل مع ما ينتجه من تكنولوجيا على انها اسرار, و ما يجوز تصديره هو المنتج النهائى الذى يحتوى على تلك التكنولوجيا. أى بكل بساطة يجوز تصدير اجهزة لابتوب الى العالم أجمع و لا يجوز تصدير طرق تصنيعه , يجوز تصدير مكوناته كقطع غيار و لكن لا يجوز تصدير ماكينات تصنيع قطع الغيار. ( نموذج بسيط لما أقوله , بعض اجزاء المايكرو-شيب الموجودة بالمازر-بورد بأجهزة الكمبيوتر, تصنع بالكامل فى اليابان و تُصدر الى الولايات المتحدة الأمريكية لتركيبها مباشرة على المازر-بورد دون معرفة طريقة تصنيعها )... الى أن جاءت الصين و فعلت ما ذكرناه.. شكراً.

و هو ما يجعلنا نتساءل هل تسربت التكنولوجيا اليهم أم تجاويف عقلهم الكونفوشى قد الهمتم طرق التصنيع و وسائله ؟.

-4-

على الجزيرة الوثائقية, عُرض برنامج مصور عن ما تفعله الصين فى افريقيا. اتفقت الصين مع احدى الحكومات الأفريقية ان تستخرج بعض المواد من باطن الأرض لصالحها ( و هى المواد الأساسية فى تصنيع الدوائر الألكترونية و أجزاء السيارات ) , على أن يكون هذا احتكاراً صينياً لن تدفع مقابله نقود!!, بل تساعد الصين تلك الدولة الأفريقية الفقيرة النامية .. كيف تساعدها ؟ .. مقابل هذا الأحتكار, ستقوم الصين بشق الطرق و الكبارى و اعادة انتاج شبكة الخدمات الوطنية ( من صرف و مياه شرب و مستشفيات و مدارس) و لكن بأيدى صينية ( كل العاملين فى هذه المشاريع من المتدربين الصينين )..

ترسل الصين الى تلك الدولة كبير مهندسين و معه عشرات من المهندسين سواء الخريجين الجدد او الطلبة فى السنة الأخيرة من كليات الهندسة ( تخيل عزيزى, المهندس, لما يكون مشروع التخرج بتاعك, مشروع حقيقى بيتنفذ على ارض الواقع, مش كتابات نظرية او صناعة معامل,, بمعنى اخر ليس model بل prototype ) .. اما المقابل المدفوع لهؤلاء المهندسين فهو شهادة التخرج و قضاء فترة تشبه فترة الخدمة الوطنية و الاكل و الشرب فقط. بالنسبة للخبراء فهم فقط الذين يتقاضون مرتبات ( خبراء صينيين برضه, احسن تفتكر خبراء اجانب و لا حاجة , ما انا عارفك مصرى و مخك اول ما يسمع كلمة خبير , يروح علطول على الغرب ).

-5-

هل تعلم عزيزى المتنور الحداثى , صاحب لامركزية النص, حيث كل قراءة للنص هى قراءة مغلوطة, ان كلمة " عقل " مكونة من ثلاث حروف هم " ع – ق – ل ", اذا قمت بتبديلها وتوفبقها مرة اخرى, تحصل على شتيمة انتجتها القريحة المصرية تفيد بأنه " واد لِوِن و مش بتاع شغل و تصرفاته مش قد كده"... ( واخد بالك من "مش بتاع شغل دى" ؟ )

لا أعلم ما الداعى لهذه الملحوظة و لكنها ملحوظة فقط تستحق التأمل.

-6-

بغض النظر عن ان بروتس قد طعن مليكه بالخنجر فى ظهره, و ان كل ما انتقل من كتابات ميلان كونديرا الى كتابات ادباءنا الشبان هو كلمة " خراء " و أن المشهد الأفتتاحى لرواية فاصل للدهشة هو مشهد تبرز احدهم فى منطقة عشوائية و هو يجلس مقرفصاً على قالبى طوب فى احد الأكواخ الصفيح و كيفية خروج البراز من مؤخرته السعيدة الممتلئة خراء نتيجة اكل الكبدة من أحدى العربات, فاننا لا نكن أى عداء لأى شخص . بل نعمل على تواصل الشعوب ونسعى الى بناء الجسور المعرفية واواصر الصداقة وهدم الحاجز النفسى, محاولين بكل هذا التطبيع مع الصديق الفلسطينى الذى نكن له كل مودة.

تكتب نوارة نجم فى مقالتها بالدستور, نقلاً عن الخبير الأقتصادى الدكتور احمد النجار, عشر طرق نستطيع بهم توفير 40 مليار جنيه او اكثر لرفع الحد الأدنى من الأجور فى القطاع العام ( و هو ما سيرفع, بالطبع, اجور القطاع الخاص و تقليل هامش الربح, يعنى بكل بساطة رفض رفع الاجور يا مواطن منك له, سببه القطاع الخاص و ليس الحكومة بالمعنى العام الواسع ). ينهار الأقتصاد العالمى فتتدخل الصين لشراء أكثر من 300 شركة امريكية و يتحول الانتاج الى عولمى بحق فبينما يشترى الأمريكى تى-شيرت قطنى كُتب عليه Made in Egypt , يشترى المصرى نصف دستة قمصان من العتبة او من بورسعيد ثمنها 50 جنيهاً كٌتب عليهم صنع فى الصين باللغة العربية ( 6 قمصان ب6 الوان ب50 جنيه ). و هو ما يوضح لنا بكل بساطة لماذا يشتكى سوق وكالة البلح, اللى بيشتغل فى المستعمل, من الصينى !!!.

رن جرس الباب, فتحته لأجد أمامى شاب صينى يبتسم فى وجهى, يخبرنى بكل بساطة انه حلاق صينى و يريد ان يربى زبون !!. اضاف انه يمر على جارى اليوم الرابع من كل شهر يحلق له مقابل خمسة جنيه , فلما ابديت تخوفى من الأدوات المستعملة, اخبرنى, كأى بائع يريد ان يربى زبون, ان المرة الأولى فقط ستكلفنى 15 جنيه ثمن المقص و ماكينة الأمواس و التى سأحتفظ بهما كأداوت خاصة استعملها انا فقط فى كل مرة حلاقة !!!... أحكى القصة لأحد اقربائى, يقطن بمصر الجديدة, فيطلب منى نمرة هذا الصينى, ليمر عليه. ( عرفت بعد ذلك انه اخد عمارة قريبى كلها مقاولة , الصينى و زوجته , هو بيحلق للرجالة ب10 جنيه غير انه يبيع لهم المقص و ماكينة الأمواس , و زوجته معاها كتالوج تسريحات الشعر للزوجات )!!!!!.

خراء, خراء يعنى.. شكراً ميلان كونديرا.

-7-

ما بين العقولية العربية و العقلية الصينية, يقف سيزيف متحيراً. يمصمص شفتيه و يمتعض بشدة. ينادينى و هو يدفع الصخرة امامه, ايدك معايا يا كابتن. اهرول لندفع الصخرة, اسندها بيدى. يرفع يده عنها فأتحمل ثقلها بمفردى. يجلس على الأرض, يخرج علية سجائره الصينى و يشعل واحدة و هو يبصق: ربنا يتوب علينا من الشغلانة الخرا دى و اوامر سى زفت زيوس. انهيه عن هذا الكلام حتى لا يسمعه طائر الرخ فينقل الأخبار الى جبال الأوليمب. يخبرنى ان الصينى الذى يحلق له هو واخوه هرقل, لا يدفع ضرائب ولا تأمينات ولا أنارة ولا إيجار محل وبالتالى مصاريفه اقل من مصاريف حلاق بغداد لذا فهو يفضل الصينى. ينهى كلامه و ينهض, ينفض يده, استعنا على الشقا بالله. ندفع الصخرة الى أعلى الجبل حتى نصل الى قمته فتسقط مرة اخرى الى السفح. يتنفس الصعداء و يزفر زفرة حارة, الحمد لله, لقينا شغل بكرة. اتركه و ارحل متمتماً, مش ناقصة مجانين .

لا أحلق عند الرجل الصينى بالطبع و ان كان أرخص, لأنى افضل الحج سعيد, فهى عشرة عمر كما يقولون , صحيح ادفع 3 أضعاف ما يأخذه الصينى و احضر أيضاً ادواتى ( فنحن فى عصر الC ) و لكنى ارتاح اكثر للمصرى.

لما يبقى عندك عيال و مسؤوليات حتعرف نعمة الصينى وفوائد الصينى. هكذا يخبرنى صديقى فى أحدى الجلسات. اللعبة يا محترم , ابنك حيكسرها, فليه تشتريها غالية لما عندك الصينى؟. سؤال يحمل اجابة مقنعة لكل راغبى التوفير ( او لست انا منهم ؟, لا أعرف اذا كنت عزيزى المواطن من راغبى التوفير ام لا). طيب ليه ما نصنعش اللعب فى مصر؟، اسئله. يمد يده ليعطينى سيجارة و يكمل كلامه و هو يشعلها لى, يا ابنى الولاعة بتتملى غاز بجنيه و الولاعة الصينى فيها غاز و بطارية صغيرة تنور بالليل ب50 قرش, نصنع إيه ؟. خليك عولمى.

يسافر صديق لنا كل فترة الى الصين ليحضر كونتينر مملوء بكافة مستلزمات المنازل. من ملابس و لعب و شنط و أحذية و اقلام و مساطر حتى الولاعات و كماليات السيارات. يعرض تلك البضاعة فى منزله لمن يريد الشراء و كلها كما نقول ماركات signee, تحصل عليها من المصانع التى تصدرها الى دول العالم الأول و الثالث. هل تعلمى يا صديقتى ان الشنط ال Kelvin Klein الoriginal التى تباع فى مصر ب400 او 500 جنيه تستطيع ان تتحصلى عليها بما لا يتعدى 70 جنيه من نفس المصنع الذى يوردها الى محلات سيتى ستارز ؟. ظننت ان صديقى هذا قد اكتشف اكتشافاً عظيماً و فتح فتحاً مبيناً, و لكنه اخبرنى بكل بساطة ان ما يفعله هو, قد سبقه اليه كثيرون و ان فكرة المعارض المنزلية قد انتشرت فى مصر انتشار النار فى الهشيم. ربنا يخليلنا الصين, هكذا اخبرتنى زوجتى وهى تنتعل صندلها الجديد ذى ال60 جنيهاً ( صندل موضه جديدة به خلخال ) يباع فى احدى المحلات ب1170 جنيه !!!.

خراء, خراء يعنى ... شكراً لأدبائنا الشباب الذين نقلوا لنا تلك الكلمة من ميلان كونديرا.

-8-

لا احاول ان اجبر حلاق بغداد على ان يطفىء النور اثناء الحلاقة حتى يخفض من مصاريفه او صناعة نظرية اقتصادية تتبنى الخلخال و البطارية و لعب الأطفال كأدوات تحليل او منع المسلمين من السجود على سجادة صينية و المسيحيين من تعليق صلبان صينية او حتى امنع الشباب الذى يسعى الى الزواج من تقديم شبكة صينى.

بل أتركهم و اتوجه بكل غضب الى التنين الصينى الذى لا يكف عن نفث نيرانه فى اسواقنا و انذره بأن يكف عن ذلك و الا ستكون العواقب وخيمة. يضحك التنين نافثاً نيرانه فى وجهى, أتراجع خطوات الى الخلف حاجباً وجهى بيدى, يرفرف بجناحيه بشدة فيسقطنى الهواء على الأرض. انهض من مكانى, احاول مسح ملابسى التى اتسخت فأجد نفسى عارياً و ملابسى يحملها التنين بقدميه تاركاً التيكيت فقط ملصقاً على جلدى و قد كُتب عليه بلغة عربية سليمة " صُنع فى الصين ". اسمع صفيراً شديداً فألتفت الى الصوت, اجد سيزيف يشير الىّ, ينادينى, ايدك معايا يا كابتن. اتجه اليه فى صمت مملوء بالخجل, اطلب منه ان يجلس لأنه شقيان, و ابدأ بمفردى فى دفع الصخرة الى قمة الجبل لاعناً زيوس و اوامرة الغبية و لكنى اصمت و لا اكمل لعناتى و سبابى عندما المح طائر الرخ. اصل الى القمة فتسقط الصخرة الى السفح حيث يجلس سيزيف يدخن سيجارته. ينهض و يصرخ بأعلى صوته, استنى بقى لغاية ما أطلعلك بيها تانى , علشان لما تقع, ننزل سوا نجيبها و تحكيلى قصة تدوينتك عن الصين اللى حتكتبها على اللاب-توب ال دِل بتاعك. انتظره جالساً على القمة, اسلى نفسى بلعبة التباديل و التوافيق محاولاً صنع كلمات جديدة مستخدماً ثلاث حروف فقط " ع-ق-ل".

3 comments:

farmaseutti said...

very nice thank you

بنوته مصريه said...

بجد حلو كتير

عم مينا said...

الله عليك يا رامز